
بقلم المستشار/ طه حسين – المحامي بالنقض
إن العلاقة الإيجارية تمثل إحدى أهم صور المعاملات المدنية التي تلامس الحياة اليومية للمواطنين، وقد أولى المشرّع المصري اهتمامًا بالغًا بتنظيمها سواء من خلال نصوص القانون المدني أو عبر القوانين الخاصة المنظمة لإيجار الأماكن.
وفي هذا السياق، يُثار التساؤل حول مدى قابلية عقد الإيجار للامتداد بعد وفاة المستأجر أو تركه العين المؤجّرة، وما إذا كان الامتداد يقع بقوة القانون أم يتوقف على إرادة المؤجر.
وللإجابة على هذا التساؤل، يتعين التفرقة بين نوعين من القوانين التي تنظم العلاقة الإيجارية:
- القانون المدني العام (المواد من 558 وما بعدها من القانون المدني)
- القوانين الخاصة بإيجار الأماكن، وعلى رأسها القانون رقم 49 لسنة 1977، والقانون رقم 136 لسنة 1981، وغيرها مما يُعرف اصطلاحًا بقوانين الإيجارات القديمة.
أولًا: الامتداد القانوني لعقد الإيجار في ظل القانون المدني
الأصل في القانون المدني أن عقد الإيجار عقدٌ مؤقت ينتهي بانتهاء مدته، ولا يمتد إلا باتفاق الطرفين.
ومع ذلك، فقد نظم المشرع بعض الحالات التي يمتد فيها عقد الإيجار بقوة القانون لحماية المستأجرين أو من في حكمهم، وذلك على سبيل الحصر، وأهمها:
امتداد العقد حال وفاة المستأجر
تنص المادة (598) من القانون المدني على أنه:
“إذا توفي المستأجر، جاز لورثته أن يطلبوا الاستمرار في العقد إذا لم تمنعهم صفة المستأجر أو ظروف العين المؤجرة من ذلك، وفي هذه الحالة يظل العقد قائمًا بنفس شروطه الأصلية”.
غير أن هذه القاعدة لا تُطبق بإطلاق، بل يتعين توافر شرطين أساسيين لامتداد العقد:
- أن يكون من يطالب بالامتداد من ورثة المستأجر الشرعيين.
- أن يكونوا يقيمون مع المستأجر في العين المؤجرة قبل وفاته إقامةً معتادة.
وتنصرف آثار العقد إليهم بذات شروطه دون حاجة إلى اتفاق جديد.
امتداد العقد حال ترك المستأجر للعين
إذا ترك المستأجر العين المؤجرة لغيره دون موافقة المؤجر، فإن الامتداد لا يقع بقوة القانون إلا إذا تحققت النيابة الضمنية أو كانت هناك ظروف تفيد أن المؤجر قبل ضمنيًا بامتداد العلاقة لشخص آخر.
لكن إذا ترك المستأجر العين لأحد أقاربه المقيمين معه، فإن بعض الأحكام القضائية توسّعت في تفسير نصوص القانون واعتبرت الامتداد ممكنًا إذا تحققت الإقامة الفعلية والمستمرة في العين.
ثانيًا: الامتداد في ظل قوانين إيجار الأماكن (القوانين الاستثنائية)
على خلاف القانون المدني، جاءت قوانين إيجار الأماكن الاستثنائية بنصوص آمرة تقضي بامتداد عقد الإيجار بقوة القانون لفئات معينة من أقارب المستأجر بعد وفاته أو تركه العين، حماية لهم من تعسف المؤجر، خاصة في ظل أزمة الإسكان في فترات سابقة.
وقد نصت المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 على أنه:
“لا ينتهي عقد إيجار المسكن بوفاة المستأجر أو تركه العين، إذا بقي فيها زوجته أو أولاده أو أي من والديه الذين كانوا يقيمون معه حتى الوفاة أو الترك”.
ويلاحظ هنا أن:
- الامتداد يتم بقوة القانون، ودون حاجة إلى موافقة المؤجر.
- الامتداد لا يكون إلا لفئة محددة من أقارب المستأجر، وهم: الزوج أو الزوجة، الأولاد، والوالدان.
- يشترط أن يكون هؤلاء قد أقاموا مع المستأجر إقامة مستقرة قبل الوفاة أو الترك.
وقد استقرت محكمة النقض على أن الإقامة لا يُقصد بها الوجود العرضي أو المؤقت، بل الإقامة الدائمة التي تفيد نية الاستقرار.
يتضح مما تقدم:
أن الامتداد القانوني لعقد الإيجار يخضع لضوابط دقيقة سواء في ظل القانون المدني أو القوانين الاستثنائية.
فالقاعدة في القانون المدني هي أن الامتداد يكون بالاتفاق، والاستثناء هو الامتداد بقوة القانون في حالات محددة،
بينما في قوانين إيجار الأماكن، فإن الامتداد يتم بقوة القانون حمايةً لفئات بعينها، ولا يجوز الاتفاق على ما يخالف ذلك.
وعليه، فإن فهم تلك القواعد واجب على كل ممارس للعمل القانوني، سواء كان محاميًا أو قاضيًا أو مستأجرًا أو مؤجرًا، حفاظًا على التوازن العادل في العلاقة التعاقدية بين الطرفين.
المستشار/ طه حسين
المستشار القانوني والمحامي بالنقض
عضو اتحاد المحامين العرب