بقلم: المستشار/ طه حسين
يُعد مبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” من الركائز الأساسية التي يقوم عليها القانون المدني المصري، إذ أقره المشرع المصري في المادة (147) من القانون المدني، والتي تنص على أن:
“العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون.”
ويُفهم من ذلك أن الإرادة العقدية لها قوة ملزمة، تعلو على ما لم يُخالف النظام العام أو الآداب العامة.
وقد جاءت الشريعة الإسلامية متوافقة مع هذا المفهوم، بل هي الأصل فيه، حيث يقول الله تعالى في محكم كتابه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].
وقد فسر العلماء هذه الآية على أنها أمر صريح بالوفاء بجميع العقود والعهود، ما دامت لا تتضمن محرّمًا شرعًا. كما قرر الفقهاء قاعدة عامة تنص على:
“المسلمون عند شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرّم حلالًا.”
ويُعد احترام العقود والوفاء بها من مقومات الأمن القانوني، وضمانًا لاستقرار المعاملات المدنية والتجارية. فالتزام كل طرف بما اتفق عليه مع الطرف الآخر هو السبيل لتحقيق العدالة، ومنع المنازعات، وترسيخ الثقة في المعاملات. وإذا أُهدر هذا المبدأ، لاختلّت موازين الحقوق والالتزامات، وتعرضت العلاقات القانونية لعدم الاستقرار.
إلا أن هذا المبدأ، وإن كان عامًا، إلا أن القانون المصري أورد عليه بعض الاستثناءات، مثل حالات الطعن في العقد لعيب في الإرادة (كالغلط أو الإكراه أو الغبن)، أو عند تحقق شروط نظرية الظروف الطارئة المنصوص عليها في المادة (147/2)، والتي تجيز للقاضي أن يُعدل التزام المدين إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وجعلت تنفيذ الالتزام مرهقًا له.
كذلك، فإن الشريعة الإسلامية لا تُجيز الوفاء بالعقود التي تنطوي على غرر أو ظلم أو محظور شرعي، وهو ما يتماشى مع ما يُقره القضاء المصري من بطلان العقود المخالفة للنظام العام أو الآداب.
وفي الختام، فإن مبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” يُجسد التقاءً واضحًا بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية، ويُعبر عن احترام الإرادة الحرة، ويُعزز من استقرار التعاملات، شريطة أن تكون العقود مستوفاة لشروطها الشكلية والموضوعية، وغير مخالفة للنظام العام أو أحكام الشريعة.
المستشار/ طه حسين
المستشار القانوني والمحامي بالنقض
عضو اتحاد المحامين العرب