بقلم: المستشار طه حسين
تاريخ النشر: 27فبراير 2026
التصنيف: قانون الإيجار | أخبار تشريعية
يشهد ملف الإيجار القديم تحولًا تشريعيًا مهمًا مع دخول القانون رقم 164 لسنة 2025 حيز التنفيذ الفعلي في فبراير 2026. وهذه اللحظة لا تمثل مجرد تاريخ في التقويم، بل نقطة فاصلة في علاقة امتدت لعقود بين المالك والمستأجر؛ علاقة خضعت طويلًا لاعتبارات اجتماعية واقتصادية لم تعد تعكس واقع السوق الحالي.
بعد 5 فبراير 2026، انتقل النقاش من دائرة الجدل إلى دائرة التطبيق، ومن التوقعات إلى الإجراءات.
من الجدل المجتمعي إلى النفاذ الفعلي
لسنوات طويلة، ظل الإيجار القديم أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش في المجتمع المصري، بين مطالب الملاك بإعادة التوازن الاقتصادي، ومخاوف المستأجرين من فقدان الاستقرار السكني أو التجاري. ومع بدء التطبيق الفعلي للقانون، أصبحت العلاقة محكومة بنصوص واضحة وآليات محددة، لا بمجرد رؤى أو اجتهادات.
هذا التحول يفرض على الطرفين إعادة تقييم مراكزهما القانونية بدقة، بعيدًا عن ردود الأفعال المتسرعة.
الزيادات السنوية… بداية مرحلة جديدة
بدء سريان الزيادات السنوية المقررة قانونًا يمثل أول مظاهر التطبيق العملي. إلا أن المسألة لا تتعلق بقيمة مالية إضافية فحسب، بل بإعادة ضبط العلاقة التعاقدية ضمن إطار تشريعي محدث.
فالقانون – من منظور تشريعي – لا يستهدف الإخلال باستقرار أحد الطرفين، بل يسعى إلى تحقيق قدر من التوازن بعد عقود من الجمود القيمي.
اللجان المختصة… محور التطبيق العملي
تُعد اللجان المشكلة في المحافظات أحد أهم أدوات تنفيذ القانون؛ إذ لا يقتصر دورها على التقدير الرقمي للقيمة الإيجارية، بل يمتد إلى فحص طبيعة الوحدة، وموقعها، وحالتها الفنية، والنشاط المرتبط بها.
ومن ثم، فإن التعامل مع هذه اللجان يجب أن يتم باعتبارها جهة فنية ذات أثر مباشر على المركز القانوني للطرفين، وليس مجرد إجراء شكلي.
التحضير الجيد بالمستندات، والالتزام بالمواعيد، وفهم آلية التظلم، عناصر حاسمة في هذه المرحلة.
المخاطر القانونية في المرحلة الانتقالية
المراحل الانتقالية بطبيعتها تحمل قدرًا من الارتباك. أخطر ما قد يواجه الأطراف في هذه الفترة هو اتخاذ قرارات بناءً على معلومات غير دقيقة أو تصورات غير مكتملة.
فالامتناع عن السداد دون سند قانوني، أو توقيع اتفاقات غير مدروسة، أو تجاهل الإجراءات الرسمية، كلها تصرفات قد تضع أحد الطرفين في موقف قانوني معقد يصعب تداركه لاحقًا.
ومن هنا، تظل الإدارة الهادئة للنزاع الخيار الأكثر أمانًا.
البعد الاقتصادي والاجتماعي للتطبيق
لا يمكن النظر إلى الإيجار القديم باعتباره نزاعًا فرديًا فحسب، بل هو ملف يرتبط باستقرار آلاف الأسر، وبقيمة أصول عقارية كبيرة، وبمناخ الاستثمار في السوق العقاري.
ومن ثم، فإن نجاح التطبيق لا يُقاس فقط بمدى الالتزام بالنصوص، بل بقدرة الأطراف على التوصل إلى حلول متوازنة تحافظ على الحقوق دون الإضرار بالاستقرار العام.
هل نتجه إلى تصعيد أم إلى تسويات؟
من المتوقع أن تشهد المرحلة الأولى من التنفيذ زيادة في عدد الطلبات المقدمة إلى اللجان المختصة، وربما ارتفاعًا نسبيًا في المنازعات القضائية.
إلا أن التجربة العملية تشير إلى أن كثيرًا من النزاعات تنتهي بتسويات رضائية عندما يدرك الطرفان أن الحل التفاوضي قد يكون أقل كلفة وأسرع حسمًا من المسار القضائي.
فالتفاوض الواعي، المدعوم باستشارة قانونية دقيقة، يمثل المسار الأكثر واقعية في عدد كبير من الحالات.
خاتمة: إدارة المرحلة أهم من نص القانون
بعد 5 فبراير 2026، لم يعد السؤال مطروحًا حول إمكانية تطبيق القانون، بل حول كيفية إدارة تطبيقه.
فالتشريع وضع الإطار العام، لكن الاستقرار الحقيقي سيتحقق من خلال وعي الملاك والمستأجرين بحقوقهم والتزاماتهم، والتزامهم بالقنوات الرسمية.
إنها مرحلة انتقالية دقيقة، غير أن إدارتها بحكمة قد تحولها من مصدر نزاع إلى نقطة انطلاق نحو علاقة تعاقدية أكثر توازنًا واستقرارًا.
⸻
المستشار / طه حسين
المستشار القانوني والمحامي بالنقض
عضو اتحاد المحامين العرب