بقلم: المستشار/ طه حسين – المحامي بالنقض

من المبادئ القضائية المستقرة في قضاء محكمة النقض المصرية، والتي أضحت من القواعد الأساسية في مجال الإثبات، ما قررته في العديد من أحكامها من أنه:
“لا يجوز للشخص أن يتخذ من عمل نفسه دليلاً لصالحه.”

وهو مبدأ يتأسس على منطق قانوني راسخ، مفاده أن الدليل الذي ينشئه الخصم من تلقاء نفسه، دون مشاركة أو مصادقة من الطرف الآخر، لا يجوز أن يكون حجة له في النزاع، إذ لا يُتصور – لا عقلاً ولا عدلاً – أن يكون الخصم هو الخصم والحكم في آن واحد.

أولاً: الأساس القانوني للمبدأ
يرتكز هذا المبدأ على قواعد عامة في الإثبات، من أهمها:

  1. قاعدة عدم جواز اتخاذ الدليل من طرف واحد:
    إذ يشترط في كل دليل قانوني أن يكون صادراً عن إرادتين أو على الأقل أن يكون مقبولًا من الخصم الآخر، حتى يكتسب قوة الإلزام.
  2. الحياد في عبء الإثبات:
    الأصل في الإثبات أن يقع على عاتق من يدعي، ولا يُقبل أن يخلق الدليل بنفسه ثم يحتج به لصالحه.
  3. ما استقر عليه الفقه والقضاء من أن الأوراق أو البيانات أو المحررات التي يُنشئها الشخص لنفسه لا تُعد دليلاً كاملاً في الإثبات، ولا ترقى إلى مرتبة الورقة العرفية أو الرسمية ما لم يقر الطرف الآخر بها أو تثبت صحتها بموجب وسائل إثبات أخرى.

ثانياً: تأصيل قضائي للمبدأ
قضت محكمة النقض المصرية في هذا الصدد بأن:
“لا يجوز للخصم أن يصطنع لنفسه دليلاً، ثم يستند إليه لإثبات دعواه، لأن عمل الشخص لنفسه لا يُعد دليلاً قانونيًا معتبراً.”
(طعن رقم 1078 لسنة 49 ق – جلسة 15/5/1983)

ويُستفاد من هذا القضاء أن كل ما يصدر عن أحد الخصوم – من كشوف حساب، أو مذكرات، أو إفادات داخلية، أو تقارير فنية أعدّها لنفسه – لا يجوز أن يُحتج به كدليل أمام المحكمة ما لم يكن الطرف الآخر قد قبله صراحة أو ضمناً، أو ثبتت صحته بطرق إثبات معتبرة قانونًا.

ثالثاً: تطبيقات عملية
يتجلّى هذا المبدأ في عدة صور واقعية، منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • الكشوف الحسابية التي يحررها الدائن من تلقاء نفسه، دون أن تكون معتمدة من المدين، لا ترقى إلى مرتبة الدليل الكامل.
  • التقارير الفنية أو الإدارية التي يُصدرها الشخص من داخل منشأته أو شركته لا يجوز الاستناد إليها لإثبات واقعة في مواجهة الغير.
  • المحررات التي لا تحمل توقيعًا أو قبولًا من الطرف الآخر، لا يُعتد بها كأوراق عرفية أو سندات ملزمة.

رابعاً: الأثر القانوني للمبدأ
يترتب على مخالفة هذا المبدأ إهدار قيمة المستند أو الورقة كدليل قانوني في الإثبات، فلا يجوز للمحكمة أن تبني حكمها عليها وحدها، بل يجب دعمها بأدلة أخرى قاطعة، أو صدورها برضاء أو إقرار من الطرف الآخر.

وهو ما يرسّخ قاعدة جوهرية مفادها أن الدليل لا يُولد بإرادة منفردة، وأن العدالة لا تتحقق إلا من خلال الموازنة بين طرفي الخصومة، بعيداً عن أي استئثار أو تحكّم من أحد الأطراف.

خاتمة
إن مبدأ “لا يجوز للشخص أن يتخذ من عمل نفسه دليلاً لصالحه” هو من دعائم العدالة الإجرائية، وركيزة من ركائز قانون الإثبات، ويعبّر عن رؤية قضائية رشيدة تحول دون الانحراف بمسار العدالة، أو التلاعب بأدلتها.

وقد بات لزامًا على المحامين، لا سيما عند تقديم المستندات أمام المحاكم، التحقق من طبيعتها القانونية، ومصدرها، ومدى اتفاقها مع قواعد الإثبات، حتى لا يقعوا في خطأ قانوني قد يؤدي إلى إهدار مستنداتهم أو ضعف موقفهم القانوني

المستشار/ طه حسين
المستشار القانوني والمحامي بالنقض
عضو اتحاد المحامين العرب

المستشار
طه حسين مجاهد

محامي بالنقض

البابلي حسين

محامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة

إيمان احمد عبد الحميد موافي

محامي بالنقض

احمد يوسف

محامي بدرجه القيد ابتدائي