المحاماة بين الأمانة والمهنة
بقلم: المستشار/ طه حسين
في عالم القانون، حيث تتقاطع المصالح وتتباين الروايات وتُختبر القناعات، تظل المحاماة واحدة من أشرف المهن، لا لأنها تعنى بالقانون فحسب، بل لأنها تمس جوهر العدالة وتضع على عاتق من يمارسها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنية. ولعل من أعظم ما يُستفتح به هذا الحديث هو قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42]،
وهي آية كريمة تختزل جوهر ما يُنتظر من المحامي الشريف، وتُجسد الخطر العظيم في خلط الحق بالباطل، إما ببلاغة زائفة أو سكوت متعمد أو قلب للوقائع بحيل قانونية ظاهرها الترافع وباطنها التضليل.
إن المحاماة ليست وظيفة تُؤدى بين التاسعة والخامسة، وليست مهنة من أجل الكسب والوجاهة الاجتماعية فحسب، وإنما هي رسالة سامية وموقف أخلاقي دائم، يُختبر فيه الإنسان في صدقه قبل علمه، وفي ضميره قبل بيانه، وفي نيته قبل حجته. فقد يخطئ البعض في تصوّر أن المحامي مجرد أداة للدفاع عن موكله بأي وسيلة كانت، وأن ولاءه الأول والأخير يجب أن يكون للعميل، لكن الحقيقة أن المحامي لا يعمل في فراغ أخلاقي، بل هو مطالب بأن يكون محاميًا عن العدالة أولًا، ثم عن موكله ثانيًا، وهي معادلة دقيقة قد لا يفهمها إلا من امتلأ قلبه بخشية الله وامتلأت يده بثقل الأمانة.
المحامي لا يملك –مهنيًا أو شرعيًا– أن يُخفي دليلًا يُظهر براءة خصم موكله، أو أن يُقدّم مستندات مضللة يعلم بطلانها، أو أن يسكت عن واقعة يعلم علم اليقين أنها تُغيّر وجه الحقيقة. بل إن واجبه المهني يقتضي أن يتعامل مع كل ورقة وكل كلمة بضمير صاحٍ، وأن يُقدّر أثر ما يصدر عنه، لا أمام منصة المحكمة فقط، بل أمام محكمة الضمير، ومحكمة رب العالمين يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وليس خافيًا أن أدوات القانون قد تُستخدم أحيانًا في غير موضعها، وقد يُزيّن الشيطان للبعض أن التلاعب بالثغرات مهارة، وأن كتمان بعض الحقائق نوع من الدهاء، وأن تغليب مصلحة الموكل –حتى على حساب الحقيقة– هو نوع من التفاني المهني. ولكن المحامي الشريف، الذي يدرك أن ما بين يديه من أوراق وأقوال وأدلّة هو أمانة، يعلم يقينًا أن الانتصار في معركة خاسرة أخلاقيًا هو هزيمة مؤجلة، ولو بعد حين، وأن المجد الذي يُبنى على باطل لا يلبث أن ينهار عند أول محك حقيقي.
ومن هنا، فإن المحامي لا يجب أن يرى نفسه موظفًا أو خصمًا، بل ركيزة من ركائز العدالة، ومساهمًا في حفظ التوازن بين الحقوق والواجبات، بل هو أول من يُسأل إذا ما اختلت الموازين، لأنه صاحب الصوت الذي يُسمع، والحجة التي تُبنى عليها الأحكام. فإن صمت المحامي عن الحق وهو يعلمه، أو جمّل الباطل وهو يراه، فإنه لا يُخالف فقط قسم المهنة، بل يُخالف ميثاقًا إنسانيًا وشريعةً إلهية.
إن القاضي يجلس على منصة العدالة، ولكن المحامي يقف على بوابة الحقيقة، وكل ما يُقال على لسانه، وكل ورقة يُوقّعها، وكل دفع يُبديه، هو إما شهادة حق تُثقل ميزانه، أو خيانة أمانة تجر وبالها عليه في الدنيا والآخرة. وما أسهل أن يتحدث الإنسان، وما أصعب أن يزن كلماته بميزان الصدق والعدل.
وفي خضم صراع القضايا وتشابك الخصومات، وتضارب المصالح وتشوه المعايير أحيانًا، لا ينبغي أن ينسى المحامي أن القوانين من صنع البشر، أما الضمير فمن نور الله، وأن ما يكتبه اليوم يُحفظ في سجل المرافعات، لكنه يُسجّل قبل ذلك في سجل لا ينسى. فلا تُلبس الحق بالباطل، ولا تكتم الحق وأنت تعلم، مهما كثُرت المغريات أو تعاظمت الضغوط.
فالمحاماة ليست مجرد ترافع في ساحات المحاكم، بل هي حضور دائم للضمير، وصوت صادق للحقيقة، وموقف شجاع لا يرضى أن يكون شاهد زور أو سلاحًا مأجورًا في يد من يبتغي التسلط على الحق. إنها ميثاق شرف قبل أن تكون مهنة، وأمانة قبل أن تكون مظهرًا اجتماعيًا.
فكن محاميًا بحجم الرسالة، لا بحجم القضية، واصدق الله في عملك، تكن من أهل الحق.
المستشار/ طه حسين
المستشار القانوني والمحامي بالنقض
عضو اتحاد المحامين العرب