صورة المقال الثاني

إعداد: المستشار طه حسين – المحامي بالنقض

تُعد جرائم الاستيلاء غير المشروع على أموال الغير من الجرائم الخطيرة التي تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لما تُحدثه من زعزعة للثقة في التعاملات المالية، سواء بين الأفراد أو بين الأفراد والكيانات الاقتصادية. وفي هذا الإطار، تتقارب من حيث الأثر، وتفترق من حيث الطبيعة القانونية، جريمتا النصب وتوظيف الأموال. وقد بات من الضروري تسليط الضوء على الفوارق الجوهرية بين الجريمتين، لاسيما مع تزايد الوقائع المرتبطة بهما وتداخل أوصافها لدى الرأي العام.

أولًا: جريمة النصب – خصائصها وأركانها

جاء تنظيم جريمة النصب في نص المادة 336 من قانون العقوبات المصري، حيث عرّفها المشرع بأنها كل فعل احتيالي يُرتكب بغرض الاستيلاء على مال الغير، عن طريق الكذب المنظم، أو تقديم وعود كاذبة، أو استخدام مستندات مزورة، أو انتحال صفة كاذبة.

ويقوم الركن المادي في جريمة النصب على استعمال الجاني لوسائل احتيالية تدفع المجني عليه إلى تسليمه ماله طواعية، بناء على ثقة مزيفة أحدثها الفعل الإجرامي. أما الركن المعنوي، فيتمثل في القصد الجنائي العام، وهو نية الجاني في الاستيلاء على المال من خلال الخداع. وتتحقق الجريمة بمجرد وقوع الضرر فعليًا، وانتقال المال من يد المجني عليه إلى الجاني.

وفي الغالب، تأخذ جريمة النصب شكلًا مباشرًا وشخصيًا، بحيث تقع على ضحية أو أكثر بشكل محدود، وتُرتكب بصورة وقتية وليست مستمرة.

ثانيًا: جريمة توظيف الأموال – الطبيعة القانونية والتجريم الخاص

تُعد جريمة توظيف الأموال من الجرائم الاقتصادية التي أفرد لها المشرع تنظيمًا خاصًا بموجب القانون رقم 146 لسنة 1988، المعدل بالقانون رقم 230 لسنة 1996، وقد جاء هذا التشريع نتيجة اتساع نطاق هذه الجرائم في فترة زمنية معينة، وارتفاع عدد الضحايا، واتخاذ مرتكبيها وسائل ظاهرها مشروع، وباطنها احتيال منظم.

وتتحقق جريمة توظيف الأموال إذا تلقى شخص أو جهة – دون ترخيص رسمي – أموالًا من الغير، بزعم تشغيلها أو استثمارها في مشروع معين، مع وعدهم بعائد أو أرباح ثابتة أو مرتفعة. وغالبًا ما يُمارس هذا النشاط تحت غطاء وهمي، كإنشاء مكتب استثماري أو نشاط تجاري غير حقيقي، وقد يتم صرف أرباح لفترة معينة لاجتذاب مزيد من الأموال، ثم تنقطع تلك الأرباح، أو يمتنع الجاني عن رد أصل الأموال.

وتتمثل خطورة هذه الجريمة في أنها تتجاوز في أثرها جريمة النصب من حيث اتساع دائرة الضحايا، إذ أنها غالبًا ما توجه إلى جمهور من الناس، وليس أفرادًا قلائل. كما أن الجريمة تتسم بطابع مؤسسي، ظاهره التزام واستثمار، لكنه في الحقيقة يفتقر إلى الشرعية القانونية، لعدم حصوله على التراخيص اللازمة من الجهات المختصة، كالبنك المركزي أو الهيئة العامة للرقابة المالية.

ثالثًا: أوجه التفرقة بين الجريمتين من حيث الطبيعة القانونية

على الرغم من التشابه في النتيجة، وهي الاستيلاء غير المشروع على أموال الغير، إلا أن الفارق الجوهري بين جريمتي النصب وتوظيف الأموال يكمن في الوسائل والأركان والمجال الذي تنشط فيه كل جريمة.

من حيث الأساس القانوني:

  • تخضع جريمة النصب لأحكام قانون العقوبات، بينما تُعد جريمة توظيف الأموال جريمة خاصة يحكمها نصوص قانون تنظيم تلقّي الأموال لتوظيفها.

من حيث عدد الضحايا وطبيعة الفعل:

  • غالبًا ما تُرتكب جريمة النصب ضد شخص أو عدد محدود من الأفراد، ويكون الفعل وقتيًا ومباشرًا، أما توظيف الأموال فهو نشاط منظم ظاهريًا ومستمر، يُمارَس تجاه جمهور واسع، ويُبنى على عقود أو وعود زائفة باستثمار مضمون.

وسيلة الإجرام:

تعتمد وسيلة الإجرام في جريمة النصب على الخداع الصريح والاحتيال المكشوف، في حين أن توظيف الأموال يعتمد على التظاهر بالمشروعية من خلال شركة وهمية أو نشاط وهمي يُدار دون ترخيص قانوني، مما يزيد من صعوبة اكتشاف الجريمة في بدايتها.

صفة الجاني:

  • يتمثل الفرق الأبرز في صفة الجاني، حيث قد يكون الجاني في النصب شخصًا عاديًا يعتمد على الاحتيال الفردي، أما في توظيف الأموال، فغالبًا ما يظهر الجاني في صورة رجل أعمال أو مدير شركة أو جهة توظيف مالي، يُوهم ضحاياه بالاستقرار القانوني للنشاط، ما يُعزز الثقة في التعامل.

لا شك أن المشرع المصري أحسن صنعًا حين أفرد لتنظيم جريمة توظيف الأموال قانونًا خاصًا يضع الضوابط والقيود، ويحدد الجهة المختصة بالترخيص، ويُعاقب كل من يخالف هذه الأحكام بعقوبات صارمة. كما أن التفريق بين هذه الجريمة وجريمة النصب ضروري من الناحيتين التشريعية والعملية، لتحديد الوصف الصحيح للسلوك الإجرامي، والتعامل معه بما يحقق الردع العام والخاص، ويحمي أموال المواطنين من العبث.
ومن هنا، فإن الوقاية تظل دائمًا خير من العلاج، ويقع على الجهات الرقابية والإعلامية، فضلًا عن المحامين والمستشارين، دور كبير في توعية المواطنين بالمخاطر الكامنة وراء تسليم أموالهم لأفراد أو جهات غير مرخصة، ولو بدت في ظاهرها مشروعات رابحة.

طه حسين
المستشار القانوني والمحامي بالنقض