بقلم: المستشار/ طه حسين
مدخل: تجربة عملية تؤكد الأساس
من واقع تجربة طويلة في ساحات المحاكم ومرافعات لا تُحصى أمام درجات التقاضي المختلفة، أستطيع أن أؤكد ــ بوصفى محاميًا بالنقض ــ أن مبدأ حسن النية ليس مجرد دعامة أخلاقية، بل هو قاعدة قانونية ملزمة، وأصل شرعي راسخ، يشكل أحد الأعمدة التي تقوم عليها العلاقات التعاقدية والحقوقية في النظامين القانوني والشرعي على حد سواء.
حسن النية في القانون المدني
وقد أولى القانون المدني المصري هذا المبدأ عناية خاصة، حيث نص في المادة 148/1 على أن:
“يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه، وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية.”
وهذا النص لا يترك مجالاً للشك في أن حسن النية ليس مجرد افتراض أخلاقي، بل هو التزام قانوني قائم بذاته، يسري على مراحل التعاقد كافة:
- من التفاوض،
- إلى الإبرام،
- إلى التنفيذ،
- إلى ما بعد انقضاء الالتزام.
فهو مبدأ يتجاوز ظاهر النصوص، لينفذ إلى جوهر العلاقة القانونية، ويضبط سلوك أطرافها وفقًا لما تقتضيه العدالة والإنصاف.
حسن النية في الفقه الإسلامي
ويوازي هذا المفهوم القانوني ما قرره الفقه الإسلامي من مكانة للنية، إذ اعتبرها مناطًا أساسيًا لصحة التصرفات وشرعيتها.
فالحديث الشريف الذي أسّس لهذا الأصل:
“إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”
لم يكن حصرًا على العبادات، بل عمّ المعاملات والعقود وسائر التصرفات. ولذلك قال الفقهاء:
“الأعمال بالنيات، والعقود بمقاصدها، والنيات مناط الأحكام.”
فمتى ثبت أن النية سليمة، سُلم التصرف، وإن ظهرت شائبة الغش أو التدليس أو الإضرار، بطل أثر التصرف أو انقلب إلى موجب للمساءلة.
افتراض حسن النية وعبء الإثبات
ولا يُفترض بحسن النية أن يكون محل نزاع عند كل معاملة، بل الأصل ــ قانونًا وشرعًا ــ أن النية حسنة، ومن يدعي غير ذلك، فعليه الإثبات.
وهذا الافتراض هو ما:
- يحفظ استقرار المعاملات،
- ويحقق الطمأنينة بين المتعاملين،
- ويحول دون إساءة استعمال الحق بذريعة الشك الدائم في النوايا.
فلو عُكس الأمر، واضطُر كل متعاقد لإثبات حسن نيته دومًا، لاختل ميزان التعامل القانوني وتفككت الروابط المدنية.
متى يتدخل القانون؟
ومع ذلك، فإن القانون لا يمنح حماية مطلقة للنية الظاهرة، بل يتدخل متى ثبت أن طرفًا ما:
- قد تصرف بسوء نية،
- أو تعمد الإضرار بغيره،
- أو أخفى أمرًا جوهريًا بغرض التضليل أو التهرب من التزام.
وهنا يُرتب القانون آثارًا جزائية، قد تصل إلى:
- بطلان التصرف
- أو فسخه
- أو تحميل المسيء نفقات وتعويضات،
وذلك بحسب ما تقرره المحكمة المختصة بناءً على ظروف كل حالة.
الختام: مبدأ لا يسقط بالتقادم
إن مبدأ حسن النية ــ في حقيقته ــ هو:
- الترجمة العملية لفكرة العدالة في القانون المدني
- وتجسيد لمقصد من مقاصد الشريعة،
ألا وهو صيانة الحقوق، ورد الظلم، ومنع التحايل.
وهو لا يحكم فقط نصوص العقود، بل يُراقب أيضًا سلوك الأطراف، ويوجههم نحو التعامل بصدق وإنصاف.
وهو مبدأ لا يسقط بالتقادم، بل يظل حاضرًا:
- في ضمير كل قاضٍ يفصل في نزاع،
- وفي وجدان كل محامٍ يسعى إلى إنصاف موكله في حدود الحق.
تكامل القانون والشريعة
وبينما يتكامل القانون مع الشريعة في تأصيل هذا المبدأ، تتجلى قيمة حسن النية كأحد الضمانات الكبرى لتحقيق التوازن في العلاقات القانونية، وكـ صمام أمان يمنع انزلاق المعاملات إلى مستنقع الغش أو التعسف.
وهو في النهاية ليس فقط مبدأ قانوني أو شرعي، بل هو:
عنوان على نزاهة النظام القانوني كله.
المستشار/ طه حسين
المستشار القانوني والمحامي بالنقض
عضو اتحاد المحامين العرب
